عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
157
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
الصفة ، وكان الرسول عليه السلام يجالسهم كثيرا في الخلوة ، وكان يجب هؤلاء القوم ، فشأن هذه الطريقة ومروءة هذه الطائفة - لهذا السبب - أصعب من تلك الطائفة الأخرى ، والأدب والمروءة في هؤلاء القوم على نوعين : أحدهما خاص بدراويش التصوف ، والآخر خاص بالمحبين ، وإني سأذكر كليهما . اعلم أن تمام الدروشة أن يكون المرء مجردا دائما لأن التجريد والوحدة عين التصوف . حكاية [ رقم 2 ] سمعت أن اثنين من الصوفية كانا يسيران معا ذات مرة وكان أحدهما مجردا والآخر معه خمسة دنانير ، وكان هذا المجرد يسير بلا خوف ولم يكن يطلب أي رفيق ، وكان يجلس وينام ويستريح ولا يخشى أي شخص في أي مكان يصل إليه سواء أكان مأمونا أو مخوفا ، وذاك الذي كان معه خمسة دنانير كان يوافقه ولكنه كان دائما في خوف ، إلى أن وصلا في وقت ما إلى رأس بئر ، وكان المكان مخوفا ومعدنا للّصوص والصعاليك ، فشرب ذاك الرجل المجرد من تلك العين ووضع رأسه وراح في النوم ، ولم يكن صاحب الدنانير الخمسة يستطيع النوم ، وكان يقول لنفسه سرا ما ذا أعمل ؟ ما ذا أعمل لآمن القضاء ؟ فاستيقظ المجرد فجأة وسمعه . فقال : أي فلان ما ذا أصابك حتى تكثر ترديد ما ذا أعمل ما ذا أعمل ؟ فقال الرجل يا أخي معي خمسة دنانير وهذا المكان مخوف ، وأنت نمت هنا وأنا لا أستطيع النوم ولا أستطيع الذهاب ، فقال ذلك الصوفي المجرد : أعطني تلك الدنانير الخمسة لأدبر أمرك ، فأعطاه الرجل الخمسة دنانير فأخذها الصوفي المجرد وألقى بها في البئر وقال : قد نجوت من ما ذا أعمل ما ذا أعمل ، فاجلس الآن آمنا ونم لأن الإفلاس قلعة فولاذية « 1 » . فحقيقة التصوف بإجماع كل المشايخ ثلاثة أشياء : التجريد والتسليم والتصديق . فإذا كان لك واحد من هذه وكنت بعيدا عن الآفة ومتمتعا بكليتك بغير عيب فلك عين هذه الطريقة ، فالدرويش يلتزم التسليم ولا يكاشف « 2 » أي أخ أبدا إلا في حق الأخ ، ويجب أن تكون الغيرة دائما على أن يقول : لم لا يكون أخي أحسن منى ؟ ويخرج الأنانية من رأسه ولا يكون صاحب غرض ، ويترك الغرض ويدع جانبه ، وينظر بصدق وتجريد ، ولا ينظر إلى أي شئ بنظرين ، ويقطع نظر التخيل والخلاف ، لأن كل من يكون نظره بصدق وبغير تخيل لا يخالفه شخص ، لأن نفى الاثنينية عين الحقيقة ، ونفى الخلاف عين الصدق . واعلم يا بنى بأنه إذا وضع شخص قدمه على الماء بالصدق يجمد الماء تحت قدمه ، وإذا حكى لك شخص عن كرامات الأولياء بحيث تكون تلك الحكاية والمعنى بعيدين من طريق العقل فلا تنكر إذا
--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : قلعة نحاسية ( روئين ) . ( 2 ) أي : يخاصم .